محمد غازي عرابي

1050

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

واللّه استودع ابن آدم صفاته السبع ، فظهر ابن آدم هذا الظهور الإلهي ، وفعلت نفسه بجسمه وقواه ، بإذن اللّه وبواسطة النور الفعال ، ومع هذا فاللّه بالمرصاد ، حاشاه أن تسقط ورقة من غصن إلا بإذنه ، وما يقع في القدر أن الصفة تبدأ عملها في القلب الإنساني ، والإنسان مجبور في اختياره بحكم طبعه بصفته ، فيمم أصحاب اليمين وجوههم شطر اليمين ، ويمم أصحاب الشمال وجوههم شطر الشمال ، ويبقى أهل الحقيقة على سور الأعراف يتأملون ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ، ويسبحون ، إلى أن يسفر اللّه ، ويتجلى نوره في الآفاق فيطوي الآفاق . فالصفة تضاد الصفة ، والصفة تشاكل الصفة ، والعالم مسرح فعل الصفات ، والإرادات الجزئية الإنسانية كثيرة كثرة الناس ، ولهذا تشابكت خيوط الإرادات ، وتعقدت ، وتداخلت ، وتخارجت ، وكل حزب بما لديهم فرحون ، وكل نفس تبغي تحقيق منيتها ، واللّه سميع عليم حكيم . وللّه مقاصد غير مقاصد الصفات ، فله الكليات الثابتات المعينات في سمت سماء القضاء ، وهذه الكليات لها فض محتوم لما في خزائنها ، فعلى القدر أن يحقق هذه المقاصد الإلهية ، ولهذا كان الإسلام الدين الوحيد الجامع بين الحرية والجبرية ، بين القضاء والعلم الإلهيين السابقين وبين القدر والعلم والعمل الإنساني اللاحقين ، والمتطورين ، واللّه بالمرصاد . ومعلوم أن الإنسان في انطلاقه على طريق الحياة قد يحقق مناه ، وقد يحقق بعض مناه ، وقد لا يحققها على الإطلاق ، ولو أوتي الناس حرية الاختيار ، لصار كل منهم إلها ، ولامتلأت الأرض بالآلهة ولذهب كل إله بما اختار ، ففسدت الأرض ، واختل النظام ، لكن اللّه بالمرصاد ، فكلما وصل الحبل الإنساني إلى عقدة تدخل اللّه فحل العقدة ، وحول اتجاه الرياح ، فريح للهداية ، وريح للغواية ، وريح فيها عذاب أليم ، وريح للبشرى ، وريح خافضة ، وريح رافعة ، فالرياح إلهية فعالة ، إذ اللّه بالمرصاد . والصفة في مستودع القلب لها شعبان يمين وشمال ، وقلب الإنسان قاعة محكمة ، تسمع فيها أقوال المتهمين بكسر الهاء ، ودفاع المتهمين بفتح الهاء ، ثم يصدر القرار ، والقرار للواحد الجبار ، إذ لو لم يكن قاهرا ، لما تحقق كونه تعالى القاهر فوق عباده . فالقدر إذن مواقف في طريق الحياة ومحطات ورحلة من مهد الإنسان إلى لحده ، وهذه المواقف هي التي تقضي أن يكون اللّه فيها ممثل القضاء من جهة ، وأن يكون الإنسان ممثل القدر من جهة أخرى ، فالقدر متحول ، صيروري ، ذو انعطافات واتخاذ مسارات وقرارات ، وكم من ضال نام ضالا فاستقيظ مهديا ، وكم من رافع مرفوع صار خافضا مخفوضا ، وكم من